عندما يسكن الوطن وجدان المُواطِن !!

إدريس عبد الله
لي صديقٌ مغربيٌّ من أعز الأصدقاء بهذا البلد المضياف، الذي اتّخذناه وطناً ثانياً في عِزّ أزمة السودان الحبيب، أتبادل معه بين الحين والآخر الزيارة وصِلة رَحِمِ الصّداقة، زُرته مؤخرا بمنزله الريفي، الذي يقع بدوار الطرب الدوساون، جماعة وقيادة أضار، دائرة إغرم، إقليم تارودانت، وكعادته كان طيّباً، مِضيافاً، على الطريقة البدوية والريفية والصحراوية المعروفة بتقديم المحبة والمودة قبل مَراسيم التّرحاب، بِنوع من العفوية أصبح عملةً نادرةً في هذا الزمان المرتبك والملتبس…
غير ان الذي لفت انتباهي في هذه الزيارة أكثر من أي وقت مضى، وشكّل في نظري سابقةً في مسار زياراتي لعدد لا يُستهان به من الإخوة والأصدقاء المغاربة، أنّ صديقي ” الحاج عمر علا”، وهذا هو اسمه، حرص على جعل أحد الحيطان الخارجية لمنزله عبارةً عن لوحة تشكيلية مُتقنة، ليس فقط فنّياً وتشكيلياً، وهي بالمناسبة من إبداع الفنان التشكيلي المغربي “أيت بوزيد السعيد” الذي أشرف على إنجازها، بل ومتقَنةً كذلك رمزياً ودِلالِياً لأنها، في آن واحد، قدّمتْ لمحةً مختزَلة ونابضةً بالحياة وبالعنفوان عن ملحمة الوحدة الترابية للمملكة المغربية، وعبّرت عن شغف وازنٍ بشخص جلالة الملك محمد السادس، وقدّمت لخصوم الوحدة الترابية المغربية مبرراً جديداً يقض مضاجعهم، ويطرد النوم من عيونهم، ويردّ بعفوية مثالية على هرطقاتهم ومكائدهم ويُغيظهم إلى أبعد الحدود !!
بالمناسبة، و”المناسبة شرط” كما يقول المَناطِقة، فالريف المغربي الجنوبي عامةً، ومنطقة سوس التي ينتمي إليها الدوار الذي يسكنه صديقي “عمر علا” خاصةً، يُعَدَّان من أشرس المناطق المغربية تشبثاً بثوابت المملكة، وبشعارها الثالوثي المقدس، “الله الوطن الملك”، ولذلك كان لأهالي هذه المنطقة الباعُ الطويلُ في مكافحة الاستعمار أيام الحمايتَيْن الفرنسية والإسبانية، وكذلك عندما أطلق المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيّب الله ثراه نداء المسيرة الخضراء، وبالتالي فليس غريباً ولا مُفاجِئاً أن تَصدُر عن صديقي، السوسي المغربي الغيور، هذه الالتفاتة الفنية الإبداعية، التي جعل منها بعفويته الريفية عنواناً وشعاراً حياً لسُكناه، ولكل مَن يضمهم ذلك السكن من أفرادٍ للأسرة لا أشك مطلقاً في صدق وطنيتهم ذكوراً وإناثاً، أطفالاً وراشدين على السواء…
من هذا المنبر السوداني/المغربي، “رسالة المغترب”، أوجه أحر التحايا لصديقي ” الحاج عمر علا” وأُكْبِرُ فيه وطنيتَه وغيرتَه وتمسُّكَه بثوابته الوطنية في زمن صارت هذه الخصال فيه عملةً صعبةً لا يملك ناصيتَها إلاّ الأكابر!!


