لماذا معركة الكرمك مهمة؟


مدى الفاتح
على الرغم من أهمية مدينة الكرمك الواقعة على الحدود الإثيوبية في جنوب شرق السودان، والقريبة في الوقت ذاته من حدود دولة جنوب السودان، إلا أن سقوطها في يد قوات الجنرال المنشق محمد حمدان دقلو “حميدتي” لم يحظ بالتفاعل اللائق.
إذا كانت الفاشر، التي تقع في أقصى الغرب، مهمة لأنها إحدى النقاط الرئيسة، التي احتاجها حميدتي من أجل تعزيز سلطته في مجمل إقليم دارفور، فإن الكرمك، بموقعها القريب من مدن كبيرة في الشرق والوسط كالدمازين وسنار، وبسهولة الوصول من خلال هذه المدن إلى العاصمة الخرطوم، يمكن أن تعد أكثر أهمية.
لعل أكثر شيء مقلق هنا هو إعادة التذكير بأن الحرب ما تزال بعيدة عن النهاية، وأن الذين كانوا يقولون إنه قد آن أوان نزع السلاح الشعبي ووقف التدريب والتفرغ للعمل المدني كانوا قصيري النظر. تثبت الأحداث الأخيرة أن المعارك، على غير ما كنا نظن، لا تنحصر في أقصى الغرب، بل يمكن لتحالف الميليشيات، خاصة بعد توسيعه وانضمام قوات ما تسمى “الحركة الشعبية لتحرير السودان، شمال” التابعة لعبد العزيز الحلو إليه، أن يفتح ساحة معركة جديدة في مكان قريب.
لإقليم النيل الأزرق، الذي تدور فيه المعارك حالياً خصوصية وتفرد، وقد سبق أن أقمت لفترة عام في عاصمته الدمازين. حينها لاحظت، وأنا القادم من الخرطوم، أن ذلك الإقليم كان ضحية موقعه الجغرافي، فعلى الرغم من تميزه بطقس معتدل وجمال طبيعي وموارد نادرة، إلا أنه عاش فترات طويلة من عدم الاستقرار، خاصة في مناطقه الحدودية، التي ظلت تشهد تبادلاً للسيطرة بين الحكومة والمتمردين.
ذلك الهجوم الأخير المباغت لم يكن ليتم لولا وجود تواطؤ وإسناد من دولتي إثيوبيا وجنوب السودان، فعلى الرغم من وجود مشاركين قادمين من جيوب قريبة، إلا أن القوة الأكبر كانت تلك القادمة من الغرب. هذا الانتقال كان من الصعب أن يتم عبر الأراضي السودانية المكشوفة، لذلك فإن دور كل من جوبا وأديس أبابا لا يمكن إغفاله، على الرغم مما أرسله البلدان من رسائل تفيد بمناصرة الحكومة، أو على الأقل بالحياد إزاء الصراع.
هنا يمكن التفريق بين موقف جنوب السودان، التي حرصت على النأي بنفسها عما ظهر من تأكيدات لمشاركة مرتزقة جنوبيين في الحرب إلى جانب الميليشيا، وموقف إثيوبيا، التي لم يثبت فقط مشاركة مرتزقة وقناصة محترفين من مواطنيها منذ أول أيام الحرب، بل ثبت أيضاً مساعدتها للمتمردين بالدعم اللوجستي والتدريب.
نركز على إثيوبيا لأنها ظلت فاعلاً مهماً في السياسة السودانية في فترة ما بعد سقوط البشير، فكانت من رعاة صيغة الحكم القائمة ومن الداعمين للمجموعة المدنية الحاكمة سابقاً تحت مسمى “قوى الحرية والتغيير”.
إثيوبيا لم يرضها إبعاد حلفائها فكانت من الداعين لإقصاء الحكومة ونفي الشرعية عنها، ونذكر هنا تصريحاً لأبي أحمد قال فيه معلقاً على الحدث السوداني أن لا أحد يمتلك الشرعية في السودان، كما دعى في تصريح آخر لأن يكون السودان منطقة حظر طيران.
إثيوبيا، التي تطمع في الوصول إلى البحر عبر اختراق الحدود الإرترية، لا تخفي طمعها أيضاً في أراضي السودان المحاذية، التي تعتبر أن السودانيين لم يستثمروها بالشكل الأمثل.
ينقلنا كل ذلك إلى حقيقة أخرى يحاول كثيرون تجاهلها، وهي أن الأزمة الحقيقية ليست مع القوى الدولية ولا المشاريع الإقليمية البعيدة، وإنما مع الجوار القريب، الذي يرى في الوضع القائم، ولأسباب مختلفة، تهديداً لمصالحه، لدرجة تفضيله التعامل مع مجرم مثل حميدتي على أن يتعامل مع ما يعتبره امتداداً لمشروع عربي إسلامي.
إن عدم الالتفات إلى هذا العامل المحلي وتلك الآفة، التي تطوق أقدامنا، والاكتفاء بالنظر إلى البعيد يزيد الأمر تعقيداً ولا يجعلنا نلتفت إلى حقائق بدهية من قبيل أن تعليق عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي مرده بالأساس إلى دول رافضة وكارهة في المحيط القريب وليس لأي رؤية تؤامرية خارجية. بل لولا أن هذا الاستضعاف والإقصاء للصوت السوداني يصب في صالح هؤلاء الفاعلين المحليين، الذين يعرّفون الحرب من منطلق الهوية، والذين استطاع حميدتي أن يكسب ودهم من خلال إدعاء محاربة الإسلاميين ونشر العلمانية، لما كان سهل انخراطهم في عملية تطويق السودان.
هذا لا يعني الدعوة لفتح أبواب للصراع مع الجيران في هذا التوقيت، خاصة مع إثيوبيا، التي سوف تكون المواجهة معها عالية التكلفة، لكنه يعني أن كلمة “المؤامرة” وحدها لا تقدم أي حل، وأن الواجب هو السعي لكسر العزلة، فلا يعقل أن نكون في قارة يتراوح موقف أهم دولها ما بين اللامبالاة أو الحياد والدعم الصريح لمشروع حميدتي الانقلابي.
إحداث اختراق، ولو على مستوى تحييد الدول المنخرطة في الصراع، مهم الآن أكثر من أي وقت مضى، وذلك لسببين: من ناحية فإنه إذا كان الغرض من العمليات على الجبهة الشرقية هو اتخاذ الكرمك منصة للانطلاق للتمدد والتقدم أكثر في جغرافيا يغلب على ساكنيها أنهم لا يمتلكون السلاح الكافي للدفاع عن أنفسهم، فإن هذا التقدم لا يمكن أن ينجح دون تأمين الظهر وتثبيت الإمداد بالعسكر والمعدات، وهو ما لن يتأتى إلا بمساعدة الدول الحدودية.
هنا لا نستطيع أن نعلم، في حال ظلت أديس أبابا مصرة على الوقوف في خندق العدو، ما هي حدود العتاد والمعدات، التي يمكن أن تقدمها أو أن تساعد في وصولها إلى ساحة المعركة، وما إذا كانت ستشمل أسلحة أكثر متقدمة أو مسيّرات متطورة.
من ناحية أخرى فإن هذا الوقت، الذي ينشغل فيه العالم والفاعلون الإقليميون بتحديات دولية خطيرة إثر اندلاع الأزمة الإيرانية يمكن أن يكون الأنسب لبدء تفاهمات جديدة ومخاطبة المخاوف والهواجس، التي كانت تدفع كثيرين للرهان على تلك الميليشيا الخارجة عن القانون.
حتى وإن كان الغرض من عملية الكرمك هو تشتيت جهود الجيش، الذي كان يريد التركيز على منطقة غرب وجنوب كردفان، بجعله يتوزع بين جبهتين بعيدتين، فإن تنسيقاً مع الدول الحدودية يمكن أن يجعل هذه المغامرة عالية التكاليف. غياب هذا التنسيق أو الفشل في قطع خطوط إمداد الميليشيا قد يقود إلى سحب الجيش من منطقة الوسط من أجل دعم الجبهة الشرقية، ما قد يسمح للمتمردين المتمركزين في الغرب بالتقدم السهل نحو الأبيض أو حتى للتفكير في غزو أمدرمان والعودة للخرطوم.
هذا كله يفسر سر الاهتمام بالمدينة، التي تبقى استعادتها مهمة لتجنب السيناريو الأسوأ وهو تطويق الجيش من خلال محورين في الشرق والغرب في الوقت ذاته.
معارك هذه الجبهة الجديدة تؤكد لنا أن حميدتي لا يهدف، على عكس ما يردد المحللون، الذين يقيسون الحدث السوداني بما حدث في الجوار، أن يكرر التجربة الليبية أو اليمنية وأن يكتفي باقتطاع الغرب أو بإقليم دارفور المحاط بالمشاكل الإدارية والاجتماعية. صحيح أنه لجأ بشكل تكتيكي لإعلان حكومة ومحاولة اكتساب شرعية سياسية عبر خلق تحالف مدني تحت مسمى “تأسيس”، الذي اتخذ من نيالا عاصمة لحكمه، لكن طموحه الحقيقي ظل امتلاك كل السودان، وبالتحديد مناطق الوسط والشمال، حيث البحر والنهر والذهب والطبيعة الخصبة المتمدنة



